جاكلين سلام تجري لقاءاً مع الشاعر علي مزهر حول مجلة نسابا التي يحررها على الشبكة

 

" نسابا " تسمية المجلة الالكترونية التي تديرها وتشرف عليها يحيلنا الى فترة زمنية مهولة في القدم حيث الرقم الطينية والاساطير، ونحن حاليا نخضع بطريقة ما لتكنولوجيا العصر، كيف تفسر لنا رغبتك بهذا الاسم ونحن الآن محكومين برقم الكترونية ان جاز التعبير

 

عندما كنت أدرس كتاب قواعد اللغة السومرية والذي ألفه د. فوزي رشيد  في 1997  يقع بصري دائما على التصدير التالي :"  الحمد للإلاهة نسابا " بالخطين السومري فالعربي ، فتأخذني هذه العلامات بألغازها الساحرة و التي كنت أحاول فهم كيفية عملها ، وكيف كتب الرافديني أدبه وتأريخه بها، فالكتابة بشكل عام لم تتغير منذ ذلك الحين ، الوسائل وحدها هي التي تغيرت. ربما أستعير ثنائية الخفة والثقل في وصف ومقارنة وسائلنا المعاصرة بطين السومري  وألواحه.

 

شهدتُ انطلاقة العدد التجريبي ( صفر ) من نسابا والذي بدا مرتبكا ومحملا بهواجس التقدم او العثرات وخلال فترة زمنية قياسية كما أرى حققت المجلة حضورا مميزا من أين تاتى لكم ذلك؟

 

نعم أنت محقة. بدأت نسابا متعثرة، ربما بسبب توجس الآخرين أو عدم الوضوح مضافا الى هذين قلة توفر عناوين الكتّاب . ثم بدأ شكلها يتغير حين قررتُ أن أجعلها موقعا حيوياً شبه يومي عوضاً عن مراوحتها بين كونها مجلة فصلية و موقعاً ألكترونياً. بعدها بدأتُ أسيطر على أدواتي في النشر ، ومازلت أتعلم الى هذه اللحظة. لا يسعني إلا أن أذكر بالشكر والعرفان ، الملاحظات والمقترحات التي وصلتني من الصديقات والأصدقاء من كتاب وقرّاء ساهم في تحقيقها حضوراً مقبولا، وكذلك جهود  هيئة التحرير الفعاّلة.

 

الانترنيت فتح أبوابا جديدة لإيصال المعلومة بكل أشكالها ونجد حاليا حضورا كبيرا لمواقع أدبية شخصية ومجلات الكترونية عديدة ولها جمهور واسع من القراء والقارئات ، أترى هذا قد يتسبب يوما في بتر العلاقة مع حميمية الكتاب والمادة المطبوعة التي نحتاجها احيانا كما أيقونات أو رقى ترافقنا حتى تحت الوسادة

 

أعتقد أن الكتاب مازال حاضرا بقوة ولن ينتهي من التداول في فترة زمنية قصيرة. أقرأ أحيانا مباشرة من الحاسوب ولكن أفضل المطبوع في أماكن مثل الباص وقاعات الإنتظار، أو عند الدراسة أو الترجمة... الخ . لا أظننا سنرى هذا اليوم قريبا. ربما يعيشه أحفادنا ، هذا إذا استمر عالمنا بجنونه الحالي ولم يصل الى الإنتحار.

 

هل كان قيامك بهذا المشروع نابع من ثمة حاجة للشعور بالانتماء ومن خلال مشروع ثقافي أو أدبي إنساني تحديا لصقيع أو صحراء المنافي التي بات المواطن العربي ضحية لها بطريقة ما

 

لقد وجدت نفسي في غابة من الحروف اللاتينية التي لم تكن غريبة عليّ تماماً، ولكن كثافتها اشتدت، حين وصولي أمريكا. ورغم أن الكتّاب العرب كثر في أمريكا الشمالية ، لاتوجد مجلة أو جريدة جديرة بالقراءة ، حيث يتجاور التحليل السياسي المكرور مع إعلانات اللحم الحلال والدقيقة بنصف دولار للشرق الأوسط في صحف يغلب عليها الطابع الإجتراري . نعم نحن نعيش في المهاجر ولكننا ننتمي الى العالم الذي قدمنا منه وإذا أردت أقبس من إيتيل عدنان " الإبداع الأدبي عبارة عن ثمرة عناصر متعددة، اللغة فيه ضرورية وهامة للغاية، ولكن لا يوجد سوي اللغة بل هناك الحساسية، والاختبار السياسي والذاكرة التاريخية، وعناصر معقدة أخرى. " عن جهة الشعر كممارس للكتابة كنت أبحث عن مساحة حرّة صغيرة بحجم الكف ، تتيح التواصل مع الكتاب في أوربا والعالم العربي وأمريكا الشمالية.

 

المغترب عموما يرزح تحت اعباء ابجدية المجتمع الجديد من حيث اللغة ، الدراسة ، العمل ، الاستقرار ....هل لك ان تحدثنا عن  صراعك مع  هذه الابجديات ومشكلة الوقت ( الطاحونة ) الذي يستنزف كياننا ، بجمال أو أحتراق ومع ذلك كانت نسابا وقبلها موقعك الشخصي الذي جعلته بيتا لاقامة الضيوف، حتى انني كنت حين أقرأ دعوتك لدخول " بيت علي مزهر " كنتُ  افترض مسبقا أنني سأشرب بينكم القهوة العربية معطرة بالهال !

 

لم تكن مشكلتي مع اللغة قاسية، مع أنها كانت حاجزاً الى حين . كنت بحاجة الى الوقت الذي أفهم فيه استعمالها اليومي حيث كانت الكلمات حين قدومي  تئز في أذنيّ كرصاص طائش . ولكن تأقلمت معها بمرور الوقت والإنخراط في الدراسة والعمل- رغم أنه للمهاجر الى أمريكا -مرهقٌ جسديا ونفسيا. فنحن نقرر أن نصبح أرقاء بمحض الإرادة حين قبولنا الهجرة الى أمريكا، ونقوم بأعمال لا يقوم بها الأمريكي العادي ، هذا الى جانب الإشراقات العنصرية التي تغمرنا بألوانها المظلمة من حين الى آخر. كنت أقرأ في الصباح قصيدة " رجل يذهب الى العمل"  لسركون بولص وأحملها في رأسي متجهاً الى حيث أبيع وقتي لقاء دولارات معدودة. مازلتُ أكافح، مع الصديقات والأصدقاء،  بين كل هذه المتطلبات ، في أن أجعل نسابا تليق باسمها. في الحقيقة ، عندما نشرت موقعي الأول كان اسمه فضاءات نسابا وكان في ذهني أن يندمجا معا ، ولكني لاأحبذ  الدمج بين المهني والشخصي. فقررت فصلهما وانبثق بيت علي مزهر من سطر لريلكة يقول فيه :" من لا بيتَ له الآن ، لن يبني بيتاً فيما بعد". غرفة الضيوف كانت اقتراحا من أحد الأصدقاء واستقطبت الكثير ومازالت والجدير بالذكر أن نسابا ليست مدعومة من أحد ، فهي جهد شخصي من جهة النشر وجماعي من جهة المساهمات. ربما سنقدر ذات نهار تكنولوجي أن نشرب القهوة المعطّرة بالهال...ونحن قبالة أجهزتنا.

 

 

نسابا، استقطب أقلام شابة كثيرة وغير معروفة، بخلاف ما يتم في صحافة هذه الأيام حيث تغدو في حالات كثيرة فقط للأسماء اللامعة أو الملمعة، كيف تنظرون إلى هذا

 

لقد كنت أعتبر نفسي وما أزال على أول الطريق في عالم الأدب ولم أنجز مايستحق الذكر إلى الآن واعتبرت أن من غير الممكن أن يستجيب للموقع كتاب كالذين وصفتهم ومن حسن حظنا، الشباب الذين يساهمون يرسخون أقدامهم في عالم الأدب ولا يسعني ذكر أسمائهم فهم كثر ولم يبخل علينا المعروفون منهم بالمساهمات.

 

ألاحظ اهتماما بالنشاطات المهجرية ومن كل أنواع الإبداع، هل كان ذلك محض صدفة أم متفق عليه لكسر هوة الاغتراب كلمة وصورة وهواجس

 

في حلمي أن تكون نسابا مفتوحة على الإبداع كله وليس الأدبي وحده وها نحن نسير على هذه الخطى ولو وئيداً ، فالثقافة تتكامل في كل أوجهها التي يشكل الأدب واحدا منها. وأعتقد أن العلاقة بين الإغتراب والكتابة ليست وليدة المهاجر أو المنافي ولكنهما أرتبطا معا في الإنتاج الفكري لأغلب الثقافات في العالم وفي أزمنة مبكرة ، فمثلا ملحمة جلجامش لم تكتب لأن الرافديني لم يكن متوافقاً مع فكرة الموت أومنسجماً معها فقط بل أيضاً ثمة شرخ في العلاقة بينه وبين الحياة ذاتها ، ثمة قلق عظيم من الفناء و فكرة العمل الخيّر والبنّاء الذي تنتهي الملحمة باجتراحه لا تشكّل عزاء من أي نوع.

 

الترجمات التي تنشر في نسابا تثير الاهتمام، هل لديكم مشروع مستقبلي اكبر بهذا الخصوص ونحن نلمس عموما قلة وضعف المواد المترجمة كنافذة للتواصل مع الثقافات الاخرى

 

الترجمة أولا خيار شخصي وذائقة قبل أن تكون قرارا أو مشروعاً خاصة بالنسبة للأفراد. وفي عصرنا تعتبر ضرورة علمية ومنهجية في معرفة الآخر.  نحرص في نسابا على أن نقدم ما هو رصين ويقدم صورة واسعة ومعمقة للآخر بوصفه جزأً من صورتنا التي لا تتم إلاّ به، وليس لأنه متقدم حضارياً فقط . جزء من ثقافتنا وتصورنا للعالم ينتجه الأخر بصورة أو بغيرها.  وبالمقابل ، أعمل الآن على القسم الإنجليزي ، الذي يتوجه للقاريء الأمريكي لرسم صورة ولو متواضعة للأدب العربي الحديث وخاصة أدب الشباب ، ربما سيكون متاحاً للقاريء في غضون أشهر معدودة. أعمل إتصالات مع المهتمين بالأدب العربي وأحاول استقطاب الجامعيين منهم خاصة الذين لديهم اهتمام حقيقي بهذا الأدب. وأعتقد أن هذا المشروع ، وهو ليس الأول من نوعه، يتجاوز مصاعب النشر التقليدي وحسابات الربح والخسارة. أدعو كل من له القدرة على دعم هذا المشروع سواء مادياً أو معنوياً المساهمة في تقديم صورة حقيقية وسهلة الوصول لقاريء متطلب لا يجد أمامه إلاّ ما هو مشوّه ومسيّس.

 

أريد السؤال عن مصدر  " مفتريات " هذه التسمية التي تنشر فيها النصوص السردية أو النثرية

 

المفتريات هي مقترح تقدم به الناقد والمترجم د. كمال أبو ديب مقابل fiction  في ترجمته لكتاب الثقافة والإمبريالية للناقد والمفكر إدوارد سعيد والذي يقول أنه وجده " حديثاً عند بديع الزمان الهمذاني" ..." للدلالة على المصطلح الأوروبي fiction  " و الحقيقة لم يلق رواجاً يستحقه مع أنه دقيق في وصف السرد الروائي والقصصي. واستعملته ولم أجد تجاوبا معه لأن ما وصلني من ملاحظات حول عدم افراد مساحة للقصة في الموقع علامة على ذلك فاستبدلته بالسرد ولو أنني مازلت أفضل اقتراح أبو ديب.

 

أنت شخصيا مقل جدا في الكتابة في نسابا، هل هو الوقت أم الرغبة بالعمل من وراء الكواليس فقط لإعطاء الفسحة للآخر لإيصال صوته

 

الموقع متاح للجميع ووجود موقعي الشخصي يعطيني مساحة شاسعة للكتابة والنشر بشكل يجنبني من توظيف نسابا لأغراض شخصية. نشرت نصاً فيها استجابة لإلحاح أحد الأصدقاء. وفي نسابا ومن خلال باب استحدثته فيها وهو " بكلام أقل " أقدر على مخاطبة القاريء وإيصال رسائلي وما يتعلق بشؤون المجلة.

 

من خلال عملي مع صحف مهجرية في كندا، وجدت أن هناك منغصات ومشاكل قد تعترض الناشر ومن قبل المشاركين، هل واجهتم شيئا من هذا القبيل وترغبون في تداوله مع القراء بلا حواجز

 

ثمة أشياء بسيطة لا أحب ذكرها بالتفصيل ، كمحاولة نشر نص مسروق و نشر نص مشترك بدون موافقة الطرف الآخر وأحيانا الإعتداء بالسب والشتيمة لرأي أو لموضوع مطروح والأغرب أتهامي بالإلحاد والشرك من خلال تسمية المجلة وتفسير المقتبسات الخاصة بنسابا بأنها محاولة لإحياء الديانة السومرية. كذلك ورود مواد منشورة في مواقع أخرى أو صحفاً. الأكثرية من الكتّاب العرب تستخف بالنشر على الإنترنت وتعتبره ثانوياً قياساً بوسائل النشر التقليدية رغم أنه الأسرع وصولاً والأكثر دواماً . أنه هنا تحت الإصبع وفي أي وقت تشاء والذي أراه أن ذلك سيتبدل بمرور الأيام وستوظف الشبكة، كما نرى بوادر هنا وهناك، في تعزيز النشر التقليدي. 

 

بما أن الحوار عبر الانترنيت وليس حيا مباشرا فلا بد انه قد غابت عني بعض النقاط التي تريد التحدث عنها او الاشارة اليها، فتفضل

 

أود أن أشير الى أهمية الفرق بين النشر على الإنترنت والنشر بالطرق التقليدية ليس من جهة الإفضلية بل الخصائص التي يوفرّها الإنترنت من حركية ربط المواد ببعضها والمواقع وتظافر الوسائل االمرئية والمسموعة.

 

بكل المودة احيي مشروعكم وأدعوك لكلمة أخيرة بخصوص جدتنا نسابا ومتابعيها

 

أود أن أشكر كل الذين ساهموا برفد الموقع بابداعاتهم وكذلك القراء الذين بكلماتهم المشجعة واقتراحاتهم المستمرة شكّلوا ويشكلون الدافع الأقوى للإستمرار.  عنوان المجلة هو:

www.nisabaonline.com

وللمراسلات البريدية العادية :

Nisabaonline.com

P.O. Box 831941

Richardson, TX 75083

USA

 تم الحوار عبر الانترنت ونشر في جريدة المؤتمر مع التصرف

عن الكتابة